بين قاع و سطح ..
( تُقرأ في دَقيقة )
كل شيء في حياته كانت تحكمه "السطحية" ..
نعم، السطحية! و إن لم يكن يعلم ..
مفردات كالادراك و التحليل و التفسير تتتخذ منذ زمن مكانها من معجم اللغة الخشبية لديه .. لغة لا تحمل من اللغة غير الإسم ..
درس و كان دائما الاول و لم يكن يعنيه من ذلك سوى أن يسبق أقرانه ..
تميز في مناظرة الباكالوريا و أهله "تحصيله" للدراسة بالخارج و لم يكن يعنيه من ذلك سوى "الاسم العالي" ..
يزاول تعليمه الآن باحدى جامعات اوروبا و إذا بشيء ما فيه يتغير ..
أحسّ أن غلافات كثيرة تحيط به و أكثرها مما لا يرى بالإحساس المجرد ..
وحده الإحساس المجهري المدقق يصل إلى استشعارها فقط دون أن تكون له سلطة ازالتها .. من ذا الذي يستطيع أن يظهرها أو يحدث فيها ثقبا يتنفس منه ريح تحرر حق !?
قتله انكماشه في الداخل و قضى عليه هذا التقوقع حول ذاته و تصوّراتها التي تبيّن أنّها لا تزال قاصرة !
"يوميّات الثّورة" لنوّاف القديمي ..
( تُقرأ في دَقائق )
في البداية كنت أستنكف أن أقرأ عن الثورة لظني بأني عاصَرتُها و تابعتها عن كثب و لا حاجة لي بالتالي للقراءة حولها ..
و بعدما قرأت هذا الكتاب توصلت لنتيجة مفادها أن هذا الإعتقاد إنما هو خطأ مني و سوء تقدير ..
عاصرناها و عشناها، نعم! و لكننا لم نتشبع بعد بمضامينها و لم نقدرها حق قدرها !
الكاتب إعلامي سعودي موالٍ للثورة و معايش لها .. يرصد ما عاشه من الثورات بوحدة اليوم و الليلة حيث توفرت له إمكانية الانضمام إلى عدد منها في الإبان ليستنشق بعض نسمات الحرية غضة شفافة في نبعها.. ذلك النبع الذي التقت تردداته مع ما يصدر عن قناعاته و دواخله من موجات .. فلم يملك غير الاستجابة و تلبية النداء ، نداء بلاد العرب (أوطاني) ..
أحيي الكاتب بدايةً على صداقاته-العابرة للحدود- بصراحة !! دائما ما تستوقفني الصداقات في الكتب و صداقات الكاتب مما يستحق المتابعة !!
و لحظات وصول سائح حقيقي لمقصده .. عندما ينقلها لك و يعيرك عينيه لتراها بكلماته !!
و عن ذكره المتكرر لكتابه : "اشواق الحرية ".. عندما يسلمك كتاب لكتاب ..
و مما استوقفني أيضا مقطع أقتبسه لكم كاملا و لكم سديد النظر فيه و استيحاء حميد العادة منه : " بعد قرابة الساعة من الحوار حول كثير من تفاصيل المشهد السياسي اليمني .. و قبيل المغرب .. استأذنا الدكتور عبد الملك المتوكل بالانصراف .. فودعنا بعد أن أهدانا مشكورا بعضا من كتبه " !!
يال الروعة !!
الأجواء التي نقلها الكاتب بميدان التحرير، و بساحة التغيير و غيرها تحيلك مباشرة إلى ما كان يجري في ساحة القصبة في تونس و تحيلك بالذات إلى ما كان يتردد في الأجواء هناك فيثلج الصدور و يحيي القلوب :
"ما احلى القعدة ع المية و ما احلى الربيع
و ما احلى الثورة التونسية تضم الجميع .. "
كنا في عز الشتاء و لكنه كان ربيعا للقلوب تنفست فيه كما لم تتنفس من قبل !
و حديثه عن الأجواء في ميدان التحرير المصري بالذات، أحيى مشاعر خاصّة فيّ فمتابعتنا لكل ما يجري في مختلف العواصم العربية كانت لصيقة حينها و قد تأثرنا أكثر بما يجري في مصر لأنه كان مشحونا بروح الثورة و كان ذا طعم خاص يقترب مما حصل في تونس، مقارنة بالثورة الليبية و إن سبقت ..
قراءة يوميات الكاتب من الميدان أضافت وجها آخر أقرب للقصة ..
ذِكره لد. المسيري و يقينه بان التغيير قريب و ان لم يسعفه عمره ليشهده .. كانت خاطرة شاركتها الكاتب في نفسي .. و سعدت بلقائها بين السّطور ..
بعض التفاصيل ما اجملها توقض فينا ما عشناه و ان عن بعد و تنكأ جرح ما وصلت اليه الحال بعد ذلك ..
ذكريات و معايشات أحيى بها من خلال التفاصيل ما عشناه بدورنا .. كانت أيّاما لا تُنسى ..
ظنناها عصا سحرية .. و لم تكن سوى نفض للبساط ..
بينت لنا كيف أن التغيير ليس كلاما يقال و إنما هو في العمل ..
مفاهيم كثيرة بنيت و أخرى هدمت في الثورة .. تعرفنا عليها و لم تكن ما خلناها عليه ..
نحتاج فعلا ل"فرمطة" عقولنا و مناهجها ..
وهو ما عرّج عليه الكاتب في فصله الأخير من الكتاب من خلال ما قدّمه من تحليل للمشهد الثوري العربي ..
تنفسنا الحرية، هذا صحيح ! و لكن لم يكن ذلك سوى البداية.. علينا ان لا نتوقف هنا .. علينا المضي بالحرية الى موقع المسؤولية .. علينا ان نكون في المستوى ..
و من اكثر ما همني الاطلاع عليه، يومياته في ساحة التغيير بصنعاء لان متابعتي لما جرى في اليمن لم تكن بقدر كاف كمتابعتي لما جرى في مصر مثلا ..
و لليمن في القلب ركن خاص لا أدري متى بُني بالضبط و بأي دوافع و لكن الأمر كذلك !!
صنعاء، مدينة أخرى أضيفها لقائمة الشوق !!
دور الجامعات في تزويد الثورة بوقودها .. و في احتضان مساحة وجودها .. جامعة صنعاء كمثال ..
و الجُمعات المتتالية .. خطب الجمعه في شارع الستين ابان الثورة و البلاغة اليمنية ..
و قصيدة الشاعر اليمني البردوني "الخالدة" ..
و مما استحسنته في الكتاب أيضا، الجمع بين الثورات العربية تحت سقف واحد .. تلك الوحدة التي ما فتئ العالم ينكرها علينا و يعمل باتجاه طمسها و استبعادها ..
من اكثر ما استمتع به عند متابعتي لحصاد أخبار قناة الجزيرة مثلا هو أني من خلال مشاهدتها أعتبر و أحس بأن ما فيها من أخبار تخصني كلها .. سواء تعلق الامر بما يجري بغزة، بتونس، بتركيا أو بمصر، الأمر يهمني و هناك من يثلج الصدر إذ يضع يده عليها جميعا و يضعها في نفس صندوق الأخبار .. ذلك الاحساس علينا تدعيمه و علينا الاحتفاظ به .. رغم كل شيء ، ما يجمعنا أكبر بكثيير مما يفرقنا و علينا أن نبني على ذلك مبدئيا في الفكر و الوجدان، و سيتبع ذلك قول الميدان كنتيجة حتمية في القريب العاجل أو الآجل ..
و قد وصلني هذا الإحساس من خلال قراءتي لهذا الكتاب و هو ما جعلني أهتم به أكثر و أتفاعل معه بهذه الصفة !!
ذكرني حال شباب الثورة و الميادين بحال شباب غزة خلال واقعة مرج الزهور (التي رصد تفاصيلها د.اوبرلن في كتابه الذي يحمل نفس الإسم ) ..
أن تقاوم بشكل ما هو أن تستقل و تكتفي بذاتك .. لتعيش و لتعبر و لتصنع حاضرك و مستقبلك بفكرك أنت و بساعدك أنت !!
أحيا فيّ هذا الكتاب الكثير من الأمل و من الإرادة التي اصطدمت مؤخرا بجدران عديدة و عتيدة حتى اختارت أن تتراجع لتلملم جراحها قبل أن تعود مجددا للساحات و الجبهات !
مما تخرج به هو أن الشباب العربي قد كون وعيا لا بأس به بواقعه، و حاله و مشكلاته .. و يحتاج فقط إلى بلورة الطرق الكفيلة بإدارة عجلة التغيير و بجعلها منتجة عاملة و محركة على أرض الواقع ..
ان يعود لك حب الحياة !! لتنهض و تسير في سبيلها !! و نحن منسوب حب الحياة عندنا منخفض ..
استطعت من خلال هذا الكتاب إعادة قراءة الثورات بعد ان فرش لنا الكاتب أجزاء كثيرة من وريقاتها اليومية على خارطة ذهن واحدة ..
يحثك على مزيد متابعة الثورات التي لم تكتمل في سوريا و ليبيا و غيرها ..
و مما راق لي أيضا ان الاجتماعات التي يحضرها الكاتب مع الشخصيات الفاعلة في كل قطر من الأقطار العربية الثائرة التي زارها تتمحور حول الحديث عن المستقبل و مستقبل الثورة بالذات و عن السيناريوهات المتوقعة !! مالنا لا نركز، نحن الشباب من باب أولى، على المستقبل و سيناريواته ... فما أكثر غرقنا في الماضي و فيما هو خارج عن نطاق فعلنا !! مغيبون حتى عن الخوض فيما يخصنا و ينفعنا !!
المعلومات المقدمة ثريّة جدّا و وجيهة للغاية ..
يحمل الكتاب بعض اللمحات التاريخية أو السياسية التي تقرب الصورة أكثر من القارئ ...
تجد فيه نوعا من تعويض غياب المتابعة الدقيقة لمجريات الأحداث .. يختصر أمثال هذا الكتاب وقتك بإبقائك مطلعا على ما يدور حولك ..
وهو من الكتب التي ترسم لك خارطة يغلب عليها الوضوح فلا تجد عليها من التفاصيل غير تلك التي لا مناص من ذكرها ليكتمل التصور و بالتالي ليحصل الفهم و الاستيعاب ..و لتتم إن أردت البحث في الحيثيات بعد ذلك بمفردك ..
جمع بين سرد لزخم واقع معيش و بين التحليل الموضوعي للوقائع .. بحيث تعيش من خلال قراءة الكتاب مستووين من التفاعل ..
و قد اتى على تحديد بعض خصوصيّات المشهد العربي التي، سواء أحببناها أو كرهناها، تفرض علينا التفاعل معها ..
الحديث عن يزيديين و عن حوثي التجأ إلى إيران لأنه معارض و مهدد في اليمن.. يوحي لك بان المشهد في الشرق الأوسط جد مرتبط ببعضه ، فالمكونات هي ذاتها و إن اختلفت مقادير التمازج و الرقعة الجغرافية ..
نحتاج فعلا أن نتعمق في دراسة ما جرى و عدم الاكتفاء بالمشاهدة و الفرجة .. لان هناك من الدروس الكثير الذي علينا استخلاصه و توظيفه !!
تفاصيل و ملامح فارقة و مؤرخة كثيرة (بمثابة الرموز الراصدة لخصوصياتنا و للنحن) هي أجدر بأن تحفر في وجداننا من تفاصيل أخرى يتفنن الغرب في تمريرها للا وعينا مما ينشره و يبثه على مرآنا و مسمعنا .. و يقصد بذلك اجتثاث أصالتنا و نزع هويتنا و القضاء على ما تبقى من انتماءاتنا و تراثنا الحي بل و تغريبنا حتى عن واقعنا الذي نعيشه .. لتجد أجساد الكثيرين منا تعيش في أراض عربية و لكن الروح ، إن وجدت، منصرفة إلى محاكاة الشكلي دون المعاني البناءة في ثقافات غريبة أخرى لا على سبيل استثمار اختلاف ما و إنما استحمارا في استحمار !
و يشير الكاتب كثيرا للحرب الأهلية في لبنان، يعدها مرجعا معاصرا لأبشع ما يمكن أن يعانيه شعب ..
استوقفني الأمر و لكن أجدني أدون شحنة الحدث دون أن أقرر مزيد التعمق في الجراح، أ هناك جدوى من اجتراع الألم في تفاصيله مَرارا و مِرارا ؟ تكفينا خلاصة الويلات التي ذاقوها و أقسموا جهرا أو صمتا على أن يفعلوا ما يستطيعون كي ما يعودوا يوما إليها !!
و أما الجزء الثاني من الكتاب (بعد اليوميات) فيحوي دراسة و تحليلا للوضع و التحولات التي طرأت على المشهد الثوري العربي..
"و قد ساهم التدفق الكثيف للمعلومات و الأخبار، بتقليص مساحة التفكير و التأمل في هذه التحولات "
هي مغبة حقيقية ما أكثر وقوعنا فيها اليوم !!! و ما أشدّ حاجتنا للعمل على تلافيها ..
كيف أن الشعوب العربية خلقت مفهومها الخاص للثورة و طبقته .. فلا ضرورة لتجاوز البنى التقليدية و تحييد الدين (التجربة الاوروبية) و لا ضرورة للعنف (حنا ارندت~ في الثورة)
و قد حوى هذا الجزء ملاحظات أراها غاية في الاهمية
فللكاتب طريقة عملية في استحضار و تلخيص و عرض بعض الاشكاليات و القضايا المطروحة اليوم على طاولة الفكر السياسي ..
و يركّز بالأساس في دراسته على مواقف التيارات السلفية و الإسلاميين بالذات من الثورة و تفاعلها معها.
و يقدم قراءات متروية و موضوعية لتحركات كلّ منهم في ظل الربيع العربي ..
انصحكم بقراءة الكتاب و أرجو أن يصلكم ما وصلني منه .. شعور محرك بالانتماء و نفض لغبار السلبية .. و إيمان بأنفسنا و إحياء لمعاني و مكاسب الثورة الحقيقية .. المختزَلة و المركّزة في بداياتها .. و ما أحوجنا لذلك .
حكاية قارئة ..
( تُقرأ في دَقيقة و نصف )
علاقتي بالكتب بدأت قبل أن أتمكّن أصلا من إدراك معنى ما يكتب من كلمات و حروف..
في بيت جدّي، كانت الكتب تحيط بي من كلّ جانب فانطلقت أتعامل معها بحاسّتي اللمس و الشم كلعبة ثمّ بمرور الوقت صرت أفتحها و أحاول تتبّع المنحنيات داخلها، ذاك الأسود الذي يغطّي صفار الأوراق .. بعدها صرت آخذ قلما و أترك ما شاء الله لي أن أمضي به عليها .. و من شواهد هذه المرحلة الكثير من الكتب التي عثرت عليها بعد ذلك وهي تحمل أوّل تواقيعي و "هيروغليفياتي" ..
ثمّ كان لأبي يد ذات باع في اعتناقي عشق القراءة .. فاستطاع أن يمرّر لي حبه لها و هوسه بها منذ أن بدأت أفكّ طلامس الحروف..عقدنا بيننا اتفاقا ! إذا استطعت أن أقرأ كتابا في اليوم فسيشتري لي كتابا كلّ يوم بعد الدّرس..
و هكذا قبل السادسة بقليل،تكوّنت أولى ثرواتي يوما عن يوم ..
مررت في رحلتي مع الكتاب بمراحل صعود و نزول خرجت منها بالكثير من التجربة التي عزّزت قرب الكتاب منّي و أدخلتني من خلاله عوالم خاصّة و الأهمّ حمّلتني بالأدوات التي استطعت من خلالها سبر عالمي الخاص ..
يقول أبي: "لم أكن أتخيّل أن يأتي عليّ يوم واحد لا أمسك فيه كتابا لأقرأ" و ها أنا أردّدها بعده لأصف بها حالي اليوم ..
حيث الكتاب عندي، و بدون مبالغة، حاجة حياتيّة كالأكل و النوم .. و إذا ما دُفعت دفعا لتركه مؤقتا، يذبل شيء ما فيّ و يصرخ طالبا الريّ و السقاية من لدن كتاب ...
"ذائقة الموت" لد.أيمن العتوم ..
( تُقرأ في بضع دقائق )
كبقية ما يعترضني من كتب مؤخرا، جاءت هذه الرواية في وقتها فغمرتني جمالا ..
حيث أجدني أبحث منذ مدّة عن رواية تشدّني و أستمتع بالولوج إليها .. و قد التقيت ههنا بضالّتي ..
من القراءات ما يتركك متيقنا بأنه قد قربك من إحدى الأهداف !!
بين استحضار القلب ("استحضر قلبك يا فتى" جملة كثيفة مركّزة ، ممّا انطبع فيّ و لن يمحى بعد اليوم ..) و تحديد " ما الذي يستحق العناء " انداحت سهام الكاتب تصيب فيّ رميها ..
بدأت القراءة ليلة هذا العيد .. أتممتها مع أذان فجر هذا اليوم ..
بعد أن تقرأ، تحس أن شيئا ما فيك تغذى !!
تغلق الكتاب فتبدأ رحلة تأمّله الحقيقيّة ..
لا يمكن لك أن تمرّ بسطور خطّها العتوم دون أن تذرف الدّمع ..
إمّا حزنا و إمّا فرحا و إمّا ذوبانا في حضرة جمال ما ..
فذلك أضعف الإيمان ..
عادةً، قراءة الكثير من الإقتباسات حول كتاب ما يقطع بشكل من الأشكال عليك متعة ارتسام المشاهد أول مرة من خلال قراءة الكتاب .. و لكن مع هذه الرواية الأمر مختلف .. قرأت كلّ الإقتباسات التي نشرها الكاتب قبل أن أقرأ الرواية و ذلك على غير عادتي و لكني لم أستطع أن أمنع نفسي .. كلّ اقتباس كان قائما بذاته ثمّ متى ما اعترضك في الرّواية كان له وقع أعظم مما وصلك من قبل و مدى أوسع ربّما لم يخطر لك على بال في البداية ..
و أن تقرأها بعد أن تقرأ "يسمعون حسيسها" يجعلك مهيئا لتقبل ما فيها من لوعة و بؤس و شقاء بأقلّ تكاليف ..
حوت الرواية بالأساس وصفا فلسفيا ..
و فلسفة كالتي تتخلل هذا الكتاب هي من أجمل ما يمكن أن يغني الأدب عندي ..
ناضحة بالوعي ، سائرة مع القارئ جنبا إلى جنب تقاسمه تجاربها و إرهاصات نضجه ..
أجد فيها تعاملا جميلا جدّا مع الحياة، مع الوجود .. فلسفة تحدثني و تتماهى بشكل كبير مع فلسفتي للحياة ..
كثيرا ما أجد نفسي في شخوصه !تلك الشخوص التي يحتاج كلّ منها وقفة و تجميعا و خلاصة !!
توقفه عند التفاصيل يفتح لنا بابا للتوقف عندها أيضا.. و للنظر من زاوية قريبة لأمور عادة ما نرى في تجاوزها ترفعا عن زائد، في حين اننا نكون كالصم البكم العمي إذا ما مررنا أمامها .. و كثيرا ما يحدث لنا ذلك ..
أمّا واثق (الشخصيّة الرئيسية)فقد ترعرع في قرية ساحرة يعتليها بدل الجبل جبلان فصنع ذلك مع ما يسمّيه "إهمال" الآخرين له مخزونا لا ينضب ..
و أرسى فيه بوادر و قوافي شعره ..و متمّمات تركيبته الفريدة ..
وهو على قلّة علاقاته الاجتماعية، إلا أنّ ما رُزقه من علاقات شكّلت مَعينا حقيقيا حمل تبادلا و تفاعلا من نوع خاص جدّا ..
حيث البداية كانت مع أخته ، ثم جدّه و جدّته ثمّ والده و والدته ..
كلّ أدلى بدلوه في بناء شخصيّته، في إضفاء لمسته الخاصّة و إنْ بسلبيّته ..
ثمّ الصاحب جمال و كم لمس شغاف قلبي التقاء روحيهما
حيث انفتح عالم آخر .. ليقول: دع عنك الكثرة ..
و من بعده "منى " الحبيبة و "لؤي" صاحب الجامعة و بداية الثورة ..
من أكثر ما يستهويني حوار حقيقي بين متحابين .. تبادل ما بين روحين عند اللقاء و ما أعذبه من لقااء إذا ما نقله لنا العتوم ..
بصفات نبله التّامة و باستيفاء معانيه ..بحروف من روح ..
هؤلاء بالأساس .. توقفت كثيرا عند ملامح تفاعله معهم ..
و الأهم من ذلك استوقفني و استمالني و أثر فيّ تفاعله مع نفسه، مع ذاته ..
و في خضمّ حديثه عن أخته، التي أحيّي ريشة من رسمها صورة حيّة من بين الكلمات، تساءلتُ مطوّلا : ما الذي كانت تمثله هذه الفتاة لأبيها و جدها بالذات ..و لسكّان الحوش قاطبة ؟ و لكنها هنا فتاة (ليس هذا كلاسيكيّا و لكن لم يمنعني من تلمّس نفحة لا تجدها إلا في الإسلام بهذا الخصوص) ..كانت فتاة بألف رجل ربّما على مختلف الأصعدة و امتازت عن الألف بأنوثتها فوق ذلك .. و إن لم يتجاوز عمرها الثمانية ..
و ليلة الذئاب تلك .. الحاملة لجزء من اللغز ..
عاشها كما عاش مختلف تجاربه بشعوره العميق الخاص دون غيره ..
تعاطيه مع ما حوله تعاطٍ من نوع خاص ..
أراد فيه أن يرى العالم بمنهجه هو و بأدواته هو ..
و لم يستسلم لمحاولات التطويع ..
بأن ضلّ وفيّا لذاته ..
الشخصيات شابة و حديثها عن دواخلها و ما تعيشه في الجامعة و خارجها .. بناؤها لعلاقاتها، هذا ما يجعل في رأيي كتب العتوم قريبة جدا من الشباب ..
ثمّ السجن مجدّدا ..
سجون الحياة كثيرة ..
و تجربة السجن هذه أراها لصيقة بمجتمعاتنا نحن ..
أوّل سهم/ وسم يمكن أن يطلقه متجبّر على صدر مواطن حرّ ..
و الرسائل المائة ! ما أجملها و ما أثقل موازين مفرداتها .. و ما أصدق و أبلغ خواتيمها ..
كانت حديثا صافيا متجرّدا من الشوائب طافحا بإنسانيّة قلّ نظيرها ..
و الحبّ الذي كان قشّة رمى الله بها إليه لينجيه مما شتت رفاقه و هدّ كيانهم ..
كان مادّة التماسك التي بقيت تشد بعضه إلى بعضه كيما ينفرط و يخسر الكل ..
قد يرى البعض أنّ النهاية مفجعة .. و لكنّي شخصيّا لا أتصوّرها أفضل ممّا جاء فيها .. نهاية تليق بتفاصيل ما مرّ و ما قُدّم ..
أسلوبه خارق للعادة ، يتسلل إليك و تتسلل إليه دون أن تشعر ..
بناء الرواية متوازن إلى حدّ كبير ..
اللغة هنا لغة غنيّة بنفسها عن أيّ وصف و الحرف حرف تذهل أمامه المسامع و تنحني المعاني في خشوع و استسلام.. حرف نافذ نفّاذ ..
كم أفخر لمجرّد أنّ صاحب هذه اللغة و حروفها ناطق بالعربيّة مُحيٍ لمكامنها ..
و بمناسبة الحديث عن الأسلوب و خصوصا استعارته لمصطلحلات بل لقطع من آي القرآن، فإني أجد في ما يكتب تحت العناوين و المسميات القرآنية تمثلا و تدبرا من نوع خاص لها .. لنقل أنها إحدى المدارس التي اطلعت عليها و سرني أن أقتبس منها ما ينفعني .. من مبنى و معنى ..
يبسط لنا فهمه و استخراجاته من القرآن .. طريف جدا ان تحمل تدبرك و ما استخلصته و اعتمل فيك و تضعه لا في شكل دراسة بل في رواية، نعم، رواية !!
أتحسس قراءته و ترتيله له بصوته هو لا بصوت غيره، بقلبه هو لا بقلوب غيره، بعينيه هو لا بعيون الآخرين .. سمع و بصر و فؤاد، كلٌّ يعتمل ..
في خضم احتياجي للتعاطي مع يومي و ساعتي بعيون من قرآن، اقتحم حلبة بحثي و محاولاتي منطق الكاتب .. فطعم تجربتي بتجربته و أضاف بعض شيبات لرصيد يفاعتي .. و طبع مسوداتي بلون لا ينسى ..
و أمّا عن حديث الموت فهاك :
" لا أريد أن يحتلني قبل ان افهمه " هذا ما قاله واثق و هذه الجملة تختصر بشكل رهيب ما يعتملني بخصوص أمور عدّة اليوم .. من ضمنها الموت و خدنه الحياة ..
غرف االانعاش .. كانت محطّة الموت الأولى في الرواية و المحطّة الأخيرة للكثيرين..
محطّة يعرف المتردّدون عليها ما يختصره الزمان و المكان فيها من عصارة إنسانيّة ترسم جدارا كالذي سارت الشخصيّة (واثق) فوقه بين الموت و الحياة ككلمتين يصعب الغوص فيهما ..
طرح فكرة الموت ذكرني منذ البداية بكتاب "سارقة الكتب" لماركوس سوزاك و لكن شتان !!
عندما استوقفني طرحها الساذج البليد للموت، تمنّيت لو أنّ أحدهم يكتب فيبيّن ما نراه نحن المسلمون في الموت أو على الأقلّ يطرح من وجهة نظر جدّية أقرب إلى قراءة المجريات منها إلى الظّنون و الشعوذة .. فكتب الد. أيمن و بلّغ ..
"الموت الكائن في كل شيء كما الحياة" ..
الحديث عن الموت مواجهة للحقيقة و بحث عن خيوطها و اقتراب .. اقتراب من الحياة ..
و الحديث عن الموت يستجلب الحديث عن الأرواح .. "و من لم يذق طعم" التخلّص من ضيق جسده ليحلّق في سماوات روحه و أرضها "ما مَرس" و ما وُجد .. و الكاتب بليغ حدّ الفيضان في حديث الأرواح و متنفّساتها و تحليقها ..
تساعدك الرواية فعلا على التطبيع مع الموت و إن كان من الحقائق التي لا يجادل فيها أحد بما في ذلك من لا يؤمنون بشيء ..
إلأ أننا نواصل التعامل معه عادة بالهروب، بالنسيان، بالتجاوز الكاذب الواهم .. و نحن بذلك لا نتقدم و إنّما نغرق و نبتعد ..
الموت رحمة من رحمات الله التي تذكّرك دائما أنه وحده الباقي وهو وحده من يعوّل عليه ووحده الرفيق ..
هذه قناعة ترسّخت أكثر بمروري من هنا ..
و أجمل ما تخرج به من "تذوق" الموت هو معرفة ما تعنيه الحياة ..
كتاب ينأى بك عن الظنون و الهذيان .. يسحبك سحبا للابتعاد عن عالم المغفلين ..
فيه من الواقعيّة ما يشدّ الأذن و معها العين و القلب ..
عن الموت و عن الذئاب الذين لا تخلوا منهما ساحة حياة ..
عندما يحدثك هذا الرجل بشعوره عن المأساة المتمعنة في كيان بشري ما، يحسن بك أن تنصت و تتعلم ..
و أخيرا بقايا عتب ، حيث لم أستسغ التشابه مع "حديث الجنود"، سير الأحداث يلوح بعد صعود نجم واثق بأن اعتقالا ما ينتظره .. الأمر واقعي جدا و لكنه يغيض!! و كأنّما كُتب على كلّ حر متى ما شدى و صدح عاليا بالحق أنْ يُكتم صوته عنوة بعيدا عن الشمس في غياهب السجون في جميع الحالات ..
ثم نفس مشهد "يا صاحبي السجن" ، حيث يكون الأب آخر من يودّع إبنه قبل أن تلتهمه سراديب السّجون ..
و سؤال لاح منذ بداية الرواية و طفا مجددا آخرها دون أن يجد جوابا : "من تكون حياة ؟" (ربما يحسن بي، اعتبارا لإسمها، أن أبحث وحدي عن جواب !)
مع شكر لا ينتهي على لحظات سفري كلّها، واحدة واحدة، مع هذا الكتاب ..