الجمعة، 1 أغسطس 2014

"ذائقة الموت" لد.أيمن العتوم

"ذائقة الموت" لد.أيمن العتوم  .. 

( تُقرأ في بضع دقائق )


كبقية ما يعترضني من كتب مؤخرا، جاءت هذه الرواية في وقتها فغمرتني جمالا ..
حيث أجدني أبحث منذ مدّة عن رواية تشدّني و أستمتع بالولوج إليها .. و قد التقيت ههنا بضالّتي ..
من القراءات ما يتركك متيقنا بأنه قد قربك من إحدى الأهداف !!
بين استحضار القلب ("استحضر قلبك يا فتى" جملة كثيفة مركّزة ، ممّا انطبع فيّ و لن يمحى بعد اليوم ..) و تحديد " ما الذي يستحق العناء " انداحت سهام الكاتب تصيب فيّ رميها ..

بدأت القراءة ليلة هذا العيد .. أتممتها مع أذان فجر هذا اليوم ..
بعد أن تقرأ، تحس أن شيئا ما فيك تغذى !!
تغلق الكتاب فتبدأ رحلة تأمّله الحقيقيّة ..

لا يمكن لك أن تمرّ بسطور خطّها العتوم دون أن تذرف الدّمع ..
إمّا حزنا و إمّا فرحا و إمّا ذوبانا في حضرة جمال ما ..
فذلك أضعف الإيمان ..

عادةً، قراءة الكثير من الإقتباسات حول كتاب ما يقطع بشكل من الأشكال عليك متعة ارتسام المشاهد أول مرة من خلال قراءة الكتاب .. و لكن مع هذه الرواية الأمر مختلف .. قرأت كلّ الإقتباسات التي نشرها الكاتب قبل أن أقرأ الرواية و ذلك على غير عادتي و لكني لم أستطع أن أمنع نفسي .. كلّ اقتباس كان قائما بذاته ثمّ متى ما اعترضك في الرّواية كان له وقع أعظم مما وصلك من قبل و مدى أوسع ربّما لم يخطر لك على بال في البداية ..
و أن تقرأها بعد أن تقرأ "يسمعون حسيسها" يجعلك مهيئا لتقبل ما فيها من لوعة و بؤس و شقاء بأقلّ تكاليف ..

حوت الرواية بالأساس وصفا فلسفيا ..
و فلسفة كالتي تتخلل هذا الكتاب هي من أجمل ما يمكن أن يغني الأدب عندي ..
ناضحة بالوعي ، سائرة مع القارئ جنبا إلى جنب تقاسمه تجاربها و إرهاصات نضجه ..
أجد فيها تعاملا جميلا جدّا مع الحياة، مع الوجود .. فلسفة تحدثني و تتماهى بشكل كبير مع فلسفتي للحياة ..
كثيرا ما أجد نفسي في شخوصه !تلك الشخوص التي يحتاج كلّ منها وقفة و تجميعا و خلاصة !!
توقفه عند التفاصيل يفتح لنا بابا للتوقف عندها أيضا.. و للنظر من زاوية قريبة لأمور عادة ما نرى في تجاوزها ترفعا عن زائد، في حين اننا نكون كالصم البكم العمي إذا ما مررنا أمامها .. و كثيرا ما يحدث لنا ذلك ..

أمّا واثق (الشخصيّة الرئيسية)فقد ترعرع في قرية ساحرة يعتليها بدل الجبل جبلان فصنع ذلك مع ما يسمّيه "إهمال" الآخرين له مخزونا لا ينضب ..
و أرسى فيه بوادر و قوافي شعره ..و متمّمات تركيبته الفريدة ..
وهو على قلّة علاقاته الاجتماعية، إلا أنّ ما رُزقه من علاقات شكّلت مَعينا حقيقيا حمل تبادلا و تفاعلا من نوع خاص جدّا ..
حيث البداية كانت مع أخته ، ثم جدّه و جدّته ثمّ والده و والدته ..
كلّ أدلى بدلوه في بناء شخصيّته، في إضفاء لمسته الخاصّة و إنْ بسلبيّته ..
ثمّ الصاحب جمال و كم لمس شغاف قلبي التقاء روحيهما
حيث انفتح عالم آخر .. ليقول: دع عنك الكثرة ..
و من بعده "منى " الحبيبة و "لؤي" صاحب الجامعة و بداية الثورة ..

من أكثر ما يستهويني حوار حقيقي بين متحابين .. تبادل ما بين روحين عند اللقاء و ما أعذبه من لقااء إذا ما نقله لنا العتوم ..
بصفات نبله التّامة و باستيفاء معانيه ..بحروف من روح ..

هؤلاء بالأساس .. توقفت كثيرا عند ملامح تفاعله معهم ..
و الأهم من ذلك استوقفني و استمالني و أثر فيّ تفاعله مع نفسه، مع ذاته ..

و في خضمّ حديثه عن أخته، التي أحيّي ريشة من رسمها صورة حيّة من بين الكلمات، تساءلتُ مطوّلا : ما الذي كانت تمثله هذه الفتاة لأبيها و جدها بالذات ..و لسكّان الحوش قاطبة ؟ و لكنها هنا فتاة (ليس هذا كلاسيكيّا و لكن لم يمنعني من تلمّس نفحة لا تجدها إلا في الإسلام بهذا الخصوص) ..كانت فتاة بألف رجل ربّما على مختلف الأصعدة و امتازت عن الألف بأنوثتها فوق ذلك .. و إن لم يتجاوز عمرها الثمانية ..

و ليلة الذئاب تلك .. الحاملة لجزء من اللغز ..
عاشها كما عاش مختلف تجاربه بشعوره العميق الخاص دون غيره ..
تعاطيه مع ما حوله تعاطٍ من نوع خاص ..
أراد فيه أن يرى العالم بمنهجه هو و بأدواته هو ..
و لم يستسلم لمحاولات التطويع ..
بأن ضلّ وفيّا لذاته ..

الشخصيات شابة و حديثها عن دواخلها و ما تعيشه في الجامعة و خارجها .. بناؤها لعلاقاتها، هذا ما يجعل في رأيي كتب العتوم قريبة جدا من الشباب ..

ثمّ السجن مجدّدا ..
سجون الحياة كثيرة ..
و تجربة السجن هذه أراها لصيقة بمجتمعاتنا نحن ..
أوّل سهم/ وسم يمكن أن يطلقه متجبّر على صدر مواطن حرّ ..

و الرسائل المائة ! ما أجملها و ما أثقل موازين مفرداتها .. و ما أصدق و أبلغ خواتيمها ..
كانت حديثا صافيا متجرّدا من الشوائب طافحا بإنسانيّة قلّ نظيرها ..

و الحبّ الذي كان قشّة رمى الله بها إليه لينجيه مما شتت رفاقه و هدّ كيانهم ..
كان مادّة التماسك التي بقيت تشد بعضه إلى بعضه كيما ينفرط و يخسر الكل ..

قد يرى البعض أنّ النهاية مفجعة .. و لكنّي شخصيّا لا أتصوّرها أفضل ممّا جاء فيها .. نهاية تليق بتفاصيل ما مرّ و ما قُدّم ..

أسلوبه خارق للعادة ، يتسلل إليك و تتسلل إليه دون أن تشعر ..
بناء الرواية متوازن إلى حدّ كبير ..
اللغة هنا لغة غنيّة بنفسها عن أيّ وصف و الحرف حرف تذهل أمامه المسامع و تنحني المعاني في خشوع و استسلام.. حرف نافذ نفّاذ ..
كم أفخر لمجرّد أنّ صاحب هذه اللغة و حروفها ناطق بالعربيّة مُحيٍ لمكامنها ..

و بمناسبة الحديث عن الأسلوب و خصوصا استعارته لمصطلحلات بل لقطع من آي القرآن، فإني أجد في ما يكتب تحت العناوين و المسميات القرآنية تمثلا و تدبرا من نوع خاص لها .. لنقل أنها إحدى المدارس التي اطلعت عليها و سرني أن أقتبس منها ما ينفعني .. من مبنى و معنى ..
يبسط لنا فهمه و استخراجاته من القرآن .. طريف جدا ان تحمل تدبرك و ما استخلصته و اعتمل فيك و تضعه لا في شكل دراسة بل في رواية، نعم، رواية !!
أتحسس قراءته و ترتيله له بصوته هو لا بصوت غيره، بقلبه هو لا بقلوب غيره، بعينيه هو لا بعيون الآخرين .. سمع و بصر و فؤاد، كلٌّ يعتمل ..
في خضم احتياجي للتعاطي مع يومي و ساعتي بعيون من قرآن، اقتحم حلبة بحثي و محاولاتي منطق الكاتب .. فطعم تجربتي بتجربته و أضاف بعض شيبات لرصيد يفاعتي .. و طبع مسوداتي بلون لا ينسى ..

و أمّا عن حديث الموت فهاك :
" لا أريد أن يحتلني قبل ان افهمه " هذا ما قاله واثق و هذه الجملة تختصر بشكل رهيب ما يعتملني بخصوص أمور عدّة اليوم .. من ضمنها الموت و خدنه الحياة ..
غرف االانعاش .. كانت محطّة الموت الأولى في الرواية و المحطّة الأخيرة للكثيرين..
محطّة يعرف المتردّدون عليها ما يختصره الزمان و المكان فيها من عصارة إنسانيّة ترسم جدارا كالذي سارت الشخصيّة (واثق) فوقه بين الموت و الحياة ككلمتين يصعب الغوص فيهما ..

طرح فكرة الموت ذكرني منذ البداية بكتاب "سارقة الكتب" لماركوس سوزاك و لكن شتان !!
عندما استوقفني طرحها الساذج البليد للموت، تمنّيت لو أنّ أحدهم يكتب فيبيّن ما نراه نحن المسلمون في الموت أو على الأقلّ يطرح من وجهة نظر جدّية أقرب إلى قراءة المجريات منها إلى الظّنون و الشعوذة .. فكتب الد. أيمن و بلّغ ..

"الموت الكائن في كل شيء كما الحياة" ..
الحديث عن الموت مواجهة للحقيقة و بحث عن خيوطها و اقتراب .. اقتراب من الحياة ..

و الحديث عن الموت يستجلب الحديث عن الأرواح .. "و من لم يذق طعم" التخلّص من ضيق جسده ليحلّق في سماوات روحه و أرضها "ما مَرس" و ما وُجد .. و الكاتب بليغ حدّ الفيضان في حديث الأرواح و متنفّساتها و تحليقها ..

تساعدك الرواية فعلا على التطبيع مع الموت و إن كان من الحقائق التي لا يجادل فيها أحد بما في ذلك من لا يؤمنون بشيء ..
إلأ أننا نواصل التعامل معه عادة بالهروب، بالنسيان، بالتجاوز الكاذب الواهم .. و نحن بذلك لا نتقدم و إنّما نغرق و نبتعد ..
الموت رحمة من رحمات الله التي تذكّرك دائما أنه وحده الباقي وهو وحده من يعوّل عليه ووحده الرفيق ..
هذه قناعة ترسّخت أكثر بمروري من هنا ..
و أجمل ما تخرج به من "تذوق" الموت هو معرفة ما تعنيه الحياة ..

كتاب ينأى بك عن الظنون و الهذيان .. يسحبك سحبا للابتعاد عن عالم المغفلين ..
فيه من الواقعيّة ما يشدّ الأذن و معها العين و القلب ..
عن الموت و عن الذئاب الذين لا تخلوا منهما ساحة حياة ..
عندما يحدثك هذا الرجل بشعوره عن المأساة المتمعنة في كيان بشري ما، يحسن بك أن تنصت و تتعلم ..

و أخيرا بقايا عتب ، حيث لم أستسغ التشابه مع "حديث الجنود"، سير الأحداث يلوح بعد صعود نجم واثق بأن اعتقالا ما ينتظره .. الأمر واقعي جدا و لكنه يغيض!! و كأنّما كُتب على كلّ حر متى ما شدى و صدح عاليا بالحق أنْ يُكتم صوته عنوة بعيدا عن الشمس في غياهب السجون في جميع الحالات ..
ثم نفس مشهد "يا صاحبي السجن" ، حيث يكون الأب آخر من يودّع إبنه قبل أن تلتهمه سراديب السّجون ..
و سؤال لاح منذ بداية الرواية و طفا مجددا آخرها دون أن يجد جوابا : "من تكون حياة ؟" (ربما يحسن بي، اعتبارا لإسمها، أن أبحث وحدي عن جواب !)


مع شكر لا ينتهي على لحظات سفري كلّها، واحدة واحدة، مع هذا الكتاب ..


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق