الخميس، 21 أغسطس 2014

"يوميّات الثّورة" لنواف القديمي

"يوميّات الثّورة" لنوّاف القديمي .. 

( تُقرأ في دَقائق )


في البداية كنت أستنكف أن أقرأ عن الثورة لظني بأني عاصَرتُها و تابعتها عن كثب و لا حاجة لي بالتالي للقراءة حولها .. 
و بعدما قرأت هذا الكتاب توصلت لنتيجة مفادها أن هذا الإعتقاد إنما هو خطأ مني و سوء تقدير .. 
عاصرناها و عشناها، نعم! و لكننا لم نتشبع بعد بمضامينها و لم نقدرها حق قدرها !
الكاتب إعلامي سعودي موالٍ للثورة و معايش لها .. يرصد ما عاشه من الثورات بوحدة اليوم و الليلة حيث توفرت له إمكانية الانضمام إلى عدد منها في الإبان ليستنشق بعض نسمات الحرية غضة شفافة في نبعها.. ذلك النبع الذي التقت تردداته مع ما يصدر عن قناعاته و دواخله من موجات .. فلم يملك غير الاستجابة و تلبية النداء ، نداء بلاد العرب (أوطاني) ..
أحيي الكاتب بدايةً على صداقاته-العابرة للحدود- بصراحة !! دائما ما تستوقفني الصداقات في الكتب و صداقات الكاتب مما يستحق المتابعة !!
و لحظات وصول سائح حقيقي لمقصده .. عندما ينقلها لك و يعيرك عينيه لتراها بكلماته !!
و عن ذكره المتكرر لكتابه : "اشواق الحرية ".. عندما يسلمك كتاب لكتاب ..
و مما استوقفني أيضا مقطع أقتبسه لكم كاملا و لكم سديد النظر فيه و استيحاء حميد العادة منه : " بعد قرابة الساعة من الحوار حول كثير من تفاصيل المشهد السياسي اليمني .. و قبيل المغرب .. استأذنا الدكتور عبد الملك المتوكل بالانصراف .. فودعنا بعد أن أهدانا مشكورا بعضا من كتبه " !!
يال الروعة !!
الأجواء التي نقلها الكاتب بميدان التحرير، و بساحة التغيير و غيرها تحيلك مباشرة إلى ما كان يجري في ساحة القصبة في تونس و تحيلك بالذات إلى ما كان يتردد في الأجواء هناك فيثلج الصدور و يحيي القلوب :
"ما احلى القعدة ع المية و ما احلى الربيع
و ما احلى الثورة التونسية تضم الجميع .. "
كنا في عز الشتاء و لكنه كان ربيعا للقلوب تنفست فيه كما لم تتنفس من قبل !
و حديثه عن الأجواء في ميدان التحرير المصري بالذات، أحيى مشاعر خاصّة فيّ فمتابعتنا لكل ما يجري في مختلف العواصم العربية كانت لصيقة حينها و قد تأثرنا أكثر بما يجري في مصر لأنه كان مشحونا بروح الثورة و كان ذا طعم خاص يقترب مما حصل في تونس، مقارنة بالثورة الليبية و إن سبقت ..
قراءة يوميات الكاتب من الميدان أضافت وجها آخر أقرب للقصة ..
ذِكره لد. المسيري و يقينه بان التغيير قريب و ان لم يسعفه عمره ليشهده .. كانت خاطرة شاركتها الكاتب في نفسي .. و سعدت بلقائها بين السّطور ..
بعض التفاصيل ما اجملها توقض فينا ما عشناه و ان عن بعد و تنكأ جرح ما وصلت اليه الحال بعد ذلك ..
ذكريات و معايشات أحيى بها من خلال التفاصيل ما عشناه بدورنا .. كانت أيّاما لا تُنسى ..
ظنناها عصا سحرية .. و لم تكن سوى نفض للبساط ..
بينت لنا كيف أن التغيير ليس كلاما يقال و إنما هو في العمل ..
مفاهيم كثيرة بنيت و أخرى هدمت في الثورة .. تعرفنا عليها و لم تكن ما خلناها عليه ..
نحتاج فعلا ل"فرمطة" عقولنا و مناهجها ..
وهو ما عرّج عليه الكاتب في فصله الأخير من الكتاب من خلال ما قدّمه من تحليل للمشهد الثوري العربي ..
تنفسنا الحرية، هذا صحيح ! و لكن لم يكن ذلك سوى البداية.. علينا ان لا نتوقف هنا .. علينا المضي بالحرية الى موقع المسؤولية .. علينا ان نكون في المستوى ..
و من اكثر ما همني الاطلاع عليه، يومياته في ساحة التغيير بصنعاء لان متابعتي لما جرى في اليمن لم تكن بقدر كاف كمتابعتي لما جرى في مصر مثلا ..
و لليمن في القلب ركن خاص لا أدري متى بُني بالضبط و بأي دوافع و لكن الأمر كذلك !! 
صنعاء، مدينة أخرى أضيفها لقائمة الشوق !!
دور الجامعات في تزويد الثورة بوقودها .. و في احتضان مساحة وجودها .. جامعة صنعاء كمثال ..
و الجُمعات المتتالية .. خطب الجمعه في شارع الستين ابان الثورة و البلاغة اليمنية ..
و قصيدة الشاعر اليمني البردوني "الخالدة" ..
و مما استحسنته في الكتاب أيضا، الجمع بين الثورات العربية تحت سقف واحد .. تلك الوحدة التي ما فتئ العالم ينكرها علينا و يعمل باتجاه طمسها و استبعادها ..
من اكثر ما استمتع به عند متابعتي لحصاد أخبار قناة الجزيرة مثلا هو أني من خلال مشاهدتها أعتبر و أحس بأن ما فيها من أخبار تخصني كلها .. سواء تعلق الامر بما يجري بغزة، بتونس، بتركيا أو بمصر، الأمر يهمني و هناك من يثلج الصدر إذ يضع يده عليها جميعا و يضعها في نفس صندوق الأخبار .. ذلك الاحساس علينا تدعيمه و علينا الاحتفاظ به .. رغم كل شيء ، ما يجمعنا أكبر بكثيير مما يفرقنا و علينا أن نبني على ذلك مبدئيا في الفكر و الوجدان، و سيتبع ذلك قول الميدان كنتيجة حتمية في القريب العاجل أو الآجل ..
و قد وصلني هذا الإحساس من خلال قراءتي لهذا الكتاب و هو ما جعلني أهتم به أكثر و أتفاعل معه بهذه الصفة !!
ذكرني حال شباب الثورة و الميادين بحال شباب غزة خلال واقعة مرج الزهور (التي رصد تفاصيلها د.اوبرلن في كتابه الذي يحمل نفس الإسم ) .. 
أن تقاوم بشكل ما هو أن تستقل و تكتفي بذاتك .. لتعيش و لتعبر و لتصنع حاضرك و مستقبلك بفكرك أنت و بساعدك أنت !!
أحيا فيّ هذا الكتاب الكثير من الأمل و من الإرادة التي اصطدمت مؤخرا بجدران عديدة و عتيدة حتى اختارت أن تتراجع لتلملم جراحها قبل أن تعود مجددا للساحات و الجبهات !
مما تخرج به هو أن الشباب العربي قد كون وعيا لا بأس به بواقعه، و حاله و مشكلاته .. و يحتاج فقط إلى بلورة الطرق الكفيلة بإدارة عجلة التغيير و بجعلها منتجة عاملة و محركة على أرض الواقع ..
ان يعود لك حب الحياة !! لتنهض و تسير في سبيلها !! و نحن منسوب حب الحياة عندنا منخفض ..
استطعت من خلال هذا الكتاب إعادة قراءة الثورات بعد ان فرش لنا الكاتب أجزاء كثيرة من وريقاتها اليومية على خارطة ذهن واحدة ..
يحثك على مزيد متابعة الثورات التي لم تكتمل في سوريا و ليبيا و غيرها .. 
و مما راق لي أيضا ان الاجتماعات التي يحضرها الكاتب مع الشخصيات الفاعلة في كل قطر من الأقطار العربية الثائرة التي زارها تتمحور حول الحديث عن المستقبل و مستقبل الثورة بالذات و عن السيناريوهات المتوقعة !! مالنا لا نركز، نحن الشباب من باب أولى، على المستقبل و سيناريواته ... فما أكثر غرقنا في الماضي و فيما هو خارج عن نطاق فعلنا !! مغيبون حتى عن الخوض فيما يخصنا و ينفعنا !!
المعلومات المقدمة ثريّة جدّا و وجيهة للغاية ..
يحمل الكتاب بعض اللمحات التاريخية أو السياسية التي تقرب الصورة أكثر من القارئ ... 
تجد فيه نوعا من تعويض غياب المتابعة الدقيقة لمجريات الأحداث .. يختصر أمثال هذا الكتاب وقتك بإبقائك مطلعا على ما يدور حولك ..
وهو من الكتب التي ترسم لك خارطة يغلب عليها الوضوح فلا تجد عليها من التفاصيل غير تلك التي لا مناص من ذكرها ليكتمل التصور و بالتالي ليحصل الفهم و الاستيعاب ..و لتتم إن أردت البحث في الحيثيات بعد ذلك بمفردك ..
جمع بين سرد لزخم واقع معيش و بين التحليل الموضوعي للوقائع .. بحيث تعيش من خلال قراءة الكتاب مستووين من التفاعل ..
و قد اتى على تحديد بعض خصوصيّات المشهد العربي التي، سواء أحببناها أو كرهناها، تفرض علينا التفاعل معها ..
الحديث عن يزيديين و عن حوثي التجأ إلى إيران لأنه معارض و مهدد في اليمن.. يوحي لك بان المشهد في الشرق الأوسط جد مرتبط ببعضه ، فالمكونات هي ذاتها و إن اختلفت مقادير التمازج و الرقعة الجغرافية ..
نحتاج فعلا أن نتعمق في دراسة ما جرى و عدم الاكتفاء بالمشاهدة و الفرجة .. لان هناك من الدروس الكثير الذي علينا استخلاصه و توظيفه !!
تفاصيل و ملامح فارقة و مؤرخة كثيرة (بمثابة الرموز الراصدة لخصوصياتنا و للنحن) هي أجدر بأن تحفر في وجداننا من تفاصيل أخرى يتفنن الغرب في تمريرها للا وعينا مما ينشره و يبثه على مرآنا و مسمعنا .. و يقصد بذلك اجتثاث أصالتنا و نزع هويتنا و القضاء على ما تبقى من انتماءاتنا و تراثنا الحي بل و تغريبنا حتى عن واقعنا الذي نعيشه .. لتجد أجساد الكثيرين منا تعيش في أراض عربية و لكن الروح ، إن وجدت، منصرفة إلى محاكاة الشكلي دون المعاني البناءة في ثقافات غريبة أخرى لا على سبيل استثمار اختلاف ما و إنما استحمارا في استحمار !
و يشير الكاتب كثيرا للحرب الأهلية في لبنان، يعدها مرجعا معاصرا لأبشع ما يمكن أن يعانيه شعب ..
استوقفني الأمر و لكن أجدني أدون شحنة الحدث دون أن أقرر مزيد التعمق في الجراح، أ هناك جدوى من اجتراع الألم في تفاصيله مَرارا و مِرارا ؟ تكفينا خلاصة الويلات التي ذاقوها و أقسموا جهرا أو صمتا على أن يفعلوا ما يستطيعون كي ما يعودوا يوما إليها !!
و أما الجزء الثاني من الكتاب (بعد اليوميات) فيحوي دراسة و تحليلا للوضع و التحولات التي طرأت على المشهد الثوري العربي..
"و قد ساهم التدفق الكثيف للمعلومات و الأخبار، بتقليص مساحة التفكير و التأمل في هذه التحولات "
هي مغبة حقيقية ما أكثر وقوعنا فيها اليوم !!! و ما أشدّ حاجتنا للعمل على تلافيها ..
كيف أن الشعوب العربية خلقت مفهومها الخاص للثورة و طبقته .. فلا ضرورة لتجاوز البنى التقليدية و تحييد الدين (التجربة الاوروبية) و لا ضرورة للعنف (حنا ارندت~ في الثورة)
و قد حوى هذا الجزء ملاحظات أراها غاية في الاهمية 
فللكاتب طريقة عملية في استحضار و تلخيص و عرض بعض الاشكاليات و القضايا المطروحة اليوم على طاولة الفكر السياسي ..
و يركّز بالأساس في دراسته على مواقف التيارات السلفية و الإسلاميين بالذات من الثورة و تفاعلها معها.
و يقدم قراءات متروية و موضوعية لتحركات كلّ منهم في ظل الربيع العربي ..
انصحكم بقراءة الكتاب و أرجو أن يصلكم ما وصلني منه .. شعور محرك بالانتماء و نفض لغبار السلبية .. و إيمان بأنفسنا و إحياء لمعاني و مكاسب الثورة الحقيقية .. المختزَلة و المركّزة في بداياتها .. و ما أحوجنا لذلك .



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق